Wednesday, May 23, 2018

هورمون السعادة .. وتجنب المواجهة المتكررة!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

بسم الله الرحمن الرحيم،

منذ فترة وأنا ألاحظ أمراً، أن غالبية من حولي ممن يوصفون بكبار السن لديهم بعض المشاكل، أولها أنهم لم يكونوا يعلمون أنهم من فئة كبار السن! فقد كانوا متمسكين بالشباب وعاداتهم في الشباب إلى مرحلة متأخرة، حتى صُدموا بهذه الحقيقة. وهذه حقيقة تحدث للإنسان كل عشرة أعوام ابتداء من سن الثلاثين، فعندما صل إلى الثلاثين يفاجأ أنه لم يعد عشرينياً وأنه قد ودع هذه المرحلة إلى الأبد ولكنه يشعر بقوة وإستقلالية الثلاثين وأن أعمار أهل الجنة في هذا العمر، فما يلبث أن يدخل في الأربعين، ويزيد من سرعة هذه المرحلة الإلتزامات المادية التي لم تكن عنده في العشرينيات، فما يلبث أن يستقر ولو شيئا قليلا فيجد نفسه قد دخل في الأربعين، فيصدم الصدمة الثانية أنه لم يعد ثلاثينيا بعد الآن ولكنه يُصَبر نفسه أن الأربعين هو سن الحكمة والنبوة وسن الترشح للرئاسة ..إلخ... فيدخل الخمسين ويجد تغيرات حقيقية في جسده أكثر من اي فترة أخرى مع بعض الأمراض التي لابد منها وأنه قد مر من حياته خمسون عاما كاملا بلا رجعة، وأنه حتى قد تعدى مرحلتي عمر أهل الجنة وعمر النبوة والحكمة... ولكنه لايزال لم يصل للعجز.. فعلى الأقل لديه استقرار مادي وأسري (غالبا) ويستطيع أن يرمم بعض ما خسره نتيجة عوامل الزمن مثل أن يذهب إلى الچيم وأن يأخذ بعض الڤيتامينات أو حتى أن يقوم ببعض العمليات ولكن ما يقوم به من مجهود في هذه المرحلة ليصل لمرحلة متواضعة يكون غالبا أضعاف ما كان يقوم به خلال العقدين الرابع والخامس، ثم يبدأ العد التنازلي حتى الستين (سن التقاعد من الوظيفة، وما أدراك ما هذه المرحلة وما تفعلها بالرجل) ثم السبعين..وهكذا.

إذاً لدينا في هذه القصة المتكررة مشكلتان واحدة مرئية وأخرى غير مرئية:
الأولى (المرئية) هي مرحلة الصدمة عند آخر كل مرحلة ومقاومتها حتى قبولها والتكيف عليها وإيجاد روتين وحياة جديدة مناسبة للإمكانيات الجديدة.
الثانية: ما يعانيه الشخص حتى يتكيف على بقايا المرحلة الماضية ومدى تشبثه بما كان يجلب له السعادة والثقة بالنفس في المرحلة الماضية واستبداله بأشياء جديدة وعادات جديدة.

فإذا أردنا أن نجتهد لنعلم السبب وراء كل هذه التقلبات فسنجد أنها تتلخص في كلمة واحدة (دوپامين) أو ما يسمى بهورمون السعادة.

ببساطة ما يتم أن الإنسان يكون مستغرقا في عدة أمور، هذه الأمور هي ما تجعله سعيداأو بمعنى آخر هي ما تجعل مخه يفرز هذه المادة والتي تجعله يشعر بالسعادة وهو لا يعلم لأنه تكون روتينا حياتيا فما يلبث أن يفقدها فيُصدم ويحبط ويحزن حتى يجد بديلا لإفراز هذا الهورمون ولكن بعد مرحلة من الإحباطات والحزن، وهكذا..

وبعد التمعن في تجارب من حولي من كبار السن فقد وجدت أن أكثر الناس راحةً وإتزانا وتعدياً لهذه المراحل هم من وجدوا مصدرا لهذا الهورمون لم ينقطع منذ أن كانوا صغارا فلم يكن وقع التغير من مرحلة إلى أخرى كوقعه على غيرهم.
ولكي أكون أكثر دقة فسأذكر بعض الأسئلة وأقوم بالرد عليها:

س١: ما هي صفات هذا المصدر؟
هذا المصدر تستطيع أن تقوم به على أي حال كنتَ، مريضا أو صحيحا، سعيدا أو حزينا، لا يحتاج لمجهود بدني أو مصدر مالي أو صحبة.
س٢: لماذا؟
لأن الجسد يذبل ويضعف، فإذا تم ربط هذا المصدر بالحركة، مثل رياضة ما، أو سفر، أو أي شيء يحتاج مجهودا عضليا فعندما يضعف الجسد أو تقل الأموال أو تنعدم الصحبة والأهل بسبب الموت أو الغربة فسيحتل الحزن هذا القلب الذي لم يجد بديلا لهذا المصدر.
س٣: هل هذا نداء للعزلة وترك ملذات الحياة؟
بالطبع لا، ولكن إذا كان مصدر بهجتك في أمور "كلها" محسوسة فاعلم أنها لا تبقى، فالأكل طيب المذاق لن يقوى عليه جسدك عند تقدم العمر، والقهوة والشاي والسكر ...إلخ كل ذلك سيُمنع عنك تدريجيا للحفاظ على صحتك، وكلنا رأينا من يُبتلى بالإعتقال أو بالغربة للعمل أو الدراسة أو بموت عزيز كإبن وقد كان يمثل له كل حياته فأصبح وحيدا بعدها، ومن كان مداوما على الرياضة فتجد مفاصله مع الزمن لم تعد تعمل كما كانت وهكذا.
س٤: هل هذا نداء لمقاطعة ملذات الحياة طالما سنُحرم منها لا محالة؟
بالطبع لا، ولكن يجب علينا أن نأخذ رشفة من ملذات الحياة الدنيا مع رشفة أكبر قدرا من المصدر المتجدد الذي لا يذبل مع ذبول الإنسان فعندما ينقطع الأول نجد فورا المصدر الثاني بدون الدخول في مرحلة الصدمة والإحباط والحزن ثم البحث عن مصدر آخر بشكل مستمر.

وبعد التفكير فقد توصلت لثلاثة مصادر، الأول مصدر مستدام لا ينقطع والثاني مُسَكِّن للآلام، والثالث لمن استطاع إليه سبيلا.

- فما هو المصدر الأول المستدام الذي لا يذبل؟

-إنه القرآن، القرآن سماعا وتلاوة وحفظاً وصلاة وتنفلاً وطلب العلم الشرعي....وهذا نداء لي قبل من يقرأ هذه الكلمات، هذا طلب مني لنفسي قبل أن أطلبه لأحد غيري.

وبمنتهى الصراحة لقد وجدت أهل القرآن والعلم هما أكثر الناس إتزانا وراحة ولم أجدهم كغيرهم ممن وجد راحته في التدخين فداوم عليها حتى أهلكته بمرض القلب، وممن وجد راحته في الأكل فابتلي بالسمنة بسبب نقص معدل الهضم في منتصف الثلاثين عند النساء والأربعين عند الرجال فلم يستطع أن يوقف هذه العادة حتى ابتلي بالأمراض بسبب أنه لا يقاوم الطعام وهو مصدر سعادته....وأمثلة لا حصر لها ممن تشبثوا بمتع الحياة حتى أهلكتهم كمنظر النمل الذي يموت داخل العسل فلا هو اكتفى من العسل ولا هو أبقى على صحته وبقائه. عافانا الله وإياكم من أي عادة سيئة لا نفيق منها إلا على سرير المستشفى.

هذا نداء لي ولإخواني أن نستمد سعادتنا من القرآن والعلم الشرعي لأن كل متع الدنيا تزول وتترك الإنسان وحيدا مكسورا هذيلا إلا القرآن فتجد الرجل القعيد آنساً به والسيدة العجوز جالسة ببيتها مؤتنسة به...

والسؤال الآن: كيف المخرج؟
- تقنين هذه المتع والتحكم فيها ولا نجعلها هي ما تتحكم فينا ولنا في رمضان عبرة وفرصة، فيمكننا البداية من رمضان وبالأخص عند الإفطار. فلا نفرط ونسأل الله تعالى أن يعيننا على ذلك بعد إنقضاء الشهر.
- البدء بتعلم القرآن وأحكامه والعلم الشرعي بشكل تدرجي وغير مفرط، فقليل دائم خير من كثير منقطع.
- الصبر على هذا الطريق حتى يأنس القلب بالقرآن ولا يكتفي إلا بالقرآن ولا يهدأ إلا بالقرآن ولا يخشع إلا بالقرآن.
- وأخيرا أوصي نفسي وإياكم بالوقوف على الآيات فإن كان أمرا أو نهيا فنأتمر وننتهي عند أوامره ونواهيه.

- المصدر الثاني (المُسَكِّن للآلام):

- جعل الحياة كلها لله، أغلب مشاكل أهل الأرض أنهم قاموا بعمل معروف لشخص أو عدة أشخاص أو مؤسسة ما أو أبناء ...إلخ ثم يجدوا أنفسهم وحيدين أو على أقل تقدير لم ينالوا التقدير المتوقع! والحل هو أن تفعل كل شيء لله ولا تتوقع أي شيء، كل حياتك لله، عملك، إنفاقك على نفسك ومن حولك، دراستك....إلخ...كل شيء، فإذا ذبل الجسد وجفا الناس وقل الخير فأنت تعلم أن كل هذا عند من لا تضيع عنده الودائع. فتسكن وتهدأ ولا تتحسر على ما مضى، فما مضى وذبل كان في سبيل الله وما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل.

- المصدر الثالث (لمن استطاع إليه سبيلا):

- العمل الخاص، إذا عرفتَ أن تفتح عملا خاصا، أي عمل تجد فيه استقلالك عن الوظيفة التي سوف تستغنى عنك عند عمر الستين فبادر بها وابدأ الآن ولو بشكل بسيط، ولو نظرت للتجار وأصحاب المهن المستقلة ستجدهم أكثر الناس انشغالا وعدم التحسر على الماضي والوقوف على سفاسف الأمور لأنهم كل يوم في شأن وتقلب وهذا التغير مفيد للعقل والقلب وإن ظهر عكس ذلك في البدايات، ولكن تجارب من حولنا خير دليل.

*ملحوظة: هذا نداء لي قبل من يقرأ هذا الكلام وليس معناه أني قد فعلت ما كتبتُه وأنصح به بل أحببت مشاركتكم الخاطرة لكي تعم الفائدة ونأتي بها ما استطعنا. وجزاكم الله خيرا.

Monday, May 7, 2018

عن أي حياة نتكلم؟

بسم الله الرحمن الرحيم،

منذ عدة شهور قابلت شخصين قالا لي هذه الجملة (الإنسان لا يعيش إلا مرة واحدة، فليعشها "صح") وحينها لم أجد رداً، ولكني لم أستسِغ الجملة ولم أحبها، ولم أستطع تركيبها مع هيئة من قالها (ملتح ومنتقبة)، ثم سألت نفسي هل فعلا الإنسان لا يعيش إلا مرة واحدة؟ فوجدت أن هذه الجملة إذا فُهمت خطأ (وهي غالبا بالفعل تُفهم خطأ) فسوف تُردي صاحبها والله أعلم.

وكانت إجابتي لنفسي كالتالي:

الإنسان يعيش ثلاث مرات أساسية، ومرات لا حصر لها خلال أول مرة. بمعنى أن الإنسان يعيش أول حياة وهي حياته الدنيا وهي أدنى أنواع الحيوات التي خلقها الله ولكنها بالفعل الأفضل عند الكافر مهما عانى فيها، ثم حياة البرزخ وهي حياته في القبر ببدايتها ونهايتها وما بينهما، ثم حياة الآخرة "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون" وقد قال ابن كثير في تفسير الآية ( الحيوان: أي الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال له ولا انقضاء بل هي مستمرة أبد الآباد). وقصدت بأنه يعيش مرات لا حصر لها في أول حياة، أي أنه من لطف الله تعالى في هذه الدنيا أنه ما ينزل بلاء إلا مع لطف، وأنَّ بعد كل فاجعة يعتقد الإنسان فيها أنها قد أرْدَتْه يجد أن الله قد منَّ عليه بعدها بحياة أخرى كحياة المريض إذا ظن الهلاك ثم شُفي، وكتجربة عاطفية سيئة يعقبها تجربة ناجحة، وكطفل يولد بعد سنوات من الإنتظار فيشعر أبواه أنهم يبدآن حياة جديدة...إلخ

وقد يُعجب القارئ، هل لهذه المقولة العابرة كل هذا الإهتمام؟ ألم يقصد العامّي أنه يعيش مرة واحدة في الدنيا وبالتالي لا يريدها بائسة وبما لا يخالف شرع الله وبالتالي يكسب الدارين وانتهت المسألة؟ والحقيقة أنني ما فكرت في هذا الرد الذي ذكرته إلا بعد رؤية أشياء كثيرة جدا جعلتني أغير وجهة نظري ونظرتي عامة للحياة لنظرة أكثر عمقا.

أولا، ماذا نقول في رجل مثل نبي الله إبراهيم عليه السلام، وقد كان يعيش حياته مع أب كافر يعبد الأصنام، فأُلقي في النار ثم اعتزل قومه ثم تزوج السيدة سارة وهي غاية في الجمال والذكاء والدين والحكمة، حسب ما سمعت في درس أن نبي الله يوسف عليه السلام ورث جماله من جدته السيدة سارة، وقيل في الإسرائيليات أن فرعون كان يريد أن ينال منها وهي متزوجة إلا أن الله منعه ثم حُرمت الذرية حتى سن متأخر ومن شدة حبها لسيدنا إبراهيم -ومعرفة كم هو يحب أن تكون له ذرية- أهدت إليه الجارية التي أهداها لها فرعون وهي السيدة هاجر لكي يتزوجها وبعد سنتين تقريبا أنجبت له بالفعل سيدنا إسماعيل فتزداد الغيرة في قلب السيدة سارة حتى يأمره الله أن يأخذ زوجته وابنه الذي جاء بعد طول انتظار إلى صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء، وهو يدعو في طريقه إلى العودة وهو الأواه المنيب (ربنا...ربنا ... ربنا....). ثم يشاء الله بعد أن يأست سارة من الإنجاب أن يرزقها بيعقوب! فبمنطقنا اليوم (لِم كل هذا العناء؟) ألم يعلم الله أنه سيرزقها بيعقوب فلمَ ابتُليت بهذا البلاء حتى عقرت؟ هل هذه تُعد حياة بميزان اليوم ؟ هل يحب أن يحيا أحدنا حياة شبه هذه ويكون عبدا شاكرا ويعتقد أنه قد ناله من الدنيا نصيبه كاملا غير منقوص؟ كما قال سيدنا إبراهيم بعد ذلك (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء) هو يحمد الله على نعمه وفضله بعد ما رأى من إبتلاءات عدة ولا يرى إلا النعم وأعظمها نعمة الإسلام. ما هو تعريف حياة سيدنا إبراهيم في عرفنا الحالي؟

وما تعريف حياة أم موسى عليهما السلام بعد أن تركت وليدها في اليم ثم لتعمل مرضعة بالأجر ثم بعد عامي الرضاعة أظنها لم تكن تزوره بعدها وإن حدث فمن المؤكد أنها كانت تزوره خلسة والله أعلم ولكن لو تناولت السينما في وقتنا هذا حياة هذه السيدة فستظهر أنها عاشت حياة بائسة جدا على أنها مرضعة ولا يعرفها ابنها وتنظر إليه من طرف خفي وهو يلعب في بيت فرعون ودمعتها على خدها ولكنَّ الله لم يقل ذلك لأن في الحقيقة أنها قُرَّت عينها ولم تحزن ... ولكن هل هذه تعد حياة بميزان اليوم ؟ هل يحب أحدنا أن يعيش هذه الحياة؟

وما رأيك في حياة نبيِّ الله يعقوب ويوسف عليهما السلام، وحسب أغلب الروايات فقد "أُلقـي يوسف فـي الـجبّ وهو ابن سبع عشرة, فغاب عن أبـيه ثمانـين سنة -حتى عميت عين أبيه من الحزن والبكاء-, ثم عاش بعدما جمع الله له شمله, ورأى تأويـل رؤياه ثلاثا وعشرين سنة, فمات وهو ابن عشرين ومئة سنة"* وخلالها دخل السجن ظلما  بعد أن طُعن في أخلاقه. هل أحدنا يحب أن يعيش حياة نبي الله يعقوب أو يوسف؟ وهل يراها أحدنا أنها حياة؟ وهل هذه الحياة هي التي نحب أن نعيشها مرة واحدة؟

القصص لا تنتهي، والحقيقة أني ما كتبت هذه السطور لكي أبعث في النفوس التشاؤم وكره الحياة، ولكنّ الحقيقة أن هذه الحياة إبتلاء، في الرخاء ابتلاء وفي الشدة ابتلاء.

وإن كنا قد ألقينا نظرة على بعض الأمثلة القديمة فنلق نظرة على المعاصرين:

- فمنا من ابتلي بالسجن وهم الآن بين أربع جدران في غرف صغيرة جدا ورائحتها كريهة يدخلون الخلاء بمواعيد وليس عندهم تكييفات في الصيف أو دفايات في الشتاء ومنهم من دخل ووُلد ابن له بالخارج لا يربيه ولا يراه وهو يكبر، كل هؤلاء سُجنوا فقط من أجل قضية سياسية على أيدي قتلة، فهل هذه هي الحياة التي لا تعاش إلا مرة واحدة؟

-ومنا من إبتلي بموت أو استشهاد ابن أو ابنة ولم يعد يطيق أن يكمل هذه الحياة بدون فلذة كبده وقد ودعه وداعا مفاجئاً لا لقاء بعده في هذه الدنيا! هل هذه حياة نحب أن نعيشها؟

-ومنا من ابتلي بإبن معاق في مخه وقد ذَهَبْتُ منذ فترة في مركز لعلاج ضمور المخ ورأيت الأمهات وهن ينتظرن بالخارج وغيرهن يعشن حياة أخرى وليس لديهن نفس الإبتلاء ولكن منهن من ابتليت بابن عاق  أو فاشل أو متعاطٍ للمخدرات أو زوج سيء أو فقر...إلخ. والسوريون في ابتلاء لا حصر له والفلسطينيون أيضا...، فهل هذه حياة يحب المرء أن يعيشها وتُعد حياة في نظر المسلمين في يومنا هذا؟

الحقيقة أني أرى أننا يجب أن نعيد تقييم هذه الحياة ونعرف أنها دار ابتلاء وكلٌ منا مبتلى حسب طاقته وعِلْمِ الله في صبره، وكلٌ منا يجب أن يحمل مسئولية الباقي، فمن لم يُبتلى بأيٍ من هذه الإبتلائات السالف ذكرها يجب عليه أن يشكر الله أولا ثم يعطي وقتا أو عملا أو دعاءً لهؤلاء المبتلين ويعرف أنه سيموت ويُسأل عن صبره في الضراء وعن النعيم في السراء ثم بعد الموت تبدأ حياته الحقيقية والتي لا تغيير فيها وهي حصاد هذا الحياة بتقلباتها ببلاءاتها بعد النجاح بإذن الله في هذه الإبتلاءات، والتي عندها يقول بإذن الله (لا والله ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شقاء قط)... لأن وقتها سيرى حياته الحقيقية والتي كانت تستحق العناء من أجلها.

Thursday, May 3, 2018

وَسَارَ بِأَهْلِهِ..

بسم الله الرحمن الرحيم،

لأسباب عدة أُحب نبي الله موسى عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام،
فهو له في قلبي مكانة خاصة، من المحتمل أنه قد شغل هذه المكانة كونه قد مَرَّ على عدة مراحل في حياته وكان في طياتها الخوف، وأزعم أن هذا الخوف كان نتيجة التربية المختلطة غير المستقرة التي عاشها منذ أن كان رضيعا فهو لم يجد أمه بالشكل التلقائي الذي يمر به أي رضيع، بل كانت ترضعه أولا وهي خائفة، ثم وضعته في التابوت، ثم ألقته في اليم، ثم ألقاه اليم بالساحل حتى يقع في أيدي قوم فرعون إلى أن مس حبُّه قلبَ امرأةِ فرعون والتي قد حُرِمَت الذرية فألقى الله في قلبها محبته ثم بعد كل هذا لا يقبل أن يرضع من أي مرضعة حتى وجدته أخته فدلتهم على أمه حتى اللحظة الجميلة التي وصلت فيها أمه وقلبها يملأه الفرح لترضعه فيرضع ويسكت الرضيع بعد رحلة من البكاء والجوع... ولك أن تتخيل الرضيع والأم وهما في هذه الرحلة إلى هذه اللحظة.
ثم تخيل  حياته بين حنان امرأة فرعون وبين بطش فرعون والذي هَمَّ أن يقتله عدة مرات لولا أن حال الله بينه وبين ذلك.. ثم كبر موسى عليه السلام بين حنان المرأة المؤمنة الصالحة وبين بطش مدعي الإلوهية المتكبر لكي يتمتع بصفتين رقة القلب والقوة في آن واحد.. فهو عندما مر برجل من قوم فرعون يبطش برجل ضعيف من بني إسرائيل فقوته مع رقة قلبه جعلته يدافع عن الضعيف ولكنه خاف بعدها وترك المدينة (مصر) خائفا يترقب ساعيا إلى الشام..ولنا أن نتخيل رحلته وسط ظلام صحراء مصر أياما وأسابيع وهو خائف يترقب قوم فرعون الذين يأتمرون به ليقتلوه ولا يعلم في أي لحظة يجدوه وإلى أي مكان يذهب فقال هذه الكلمات (عسى ربي أن يهديني سواء السبيل)، حتى ساقه الله لبيت نبي الله شعيب أو الشيخ الصالح الذي طمأنه (أخيراً) بهذه الكلمات الشافية (لا تخف، نجوت من القوم الظالمين) فيتنفس الصعداء ويهدأ.... وتبدأ الرحلة.

ثماني إلى عشرة أعوام من العمل مع الرجل الصالح في وجود السكن (الزوجة) ولنا أن نتخيل الرجل الخائف والذي مما لا شك فيه أن السفر والغربة قد نالا من صحته شيئا ومن ملابسه ونفسيته وكان منعما في بيت فرعون، حتى مَنَّ الله عليه بالعمل والزوجة والنسب الصالح الرحيم الذي لا يشق عليه ويصبر عليه حتى إنتهاء مدة عمله، وكانت هذه السنوات بمثابة عملية تحول في شخصية نبي الله موسى، فهو الآن رب أسرة، ويعمل عملا يشبه الوظيفة في وقتنا الحالي، فهو ليس في نظام قمعي كنظام فرعون ولا هو في رفاهية بيت فرعون ولكن تجربة إنتقالية فيها رحمة مع مسئولية، التجربة التي يستهين بها غالبية الناس ولكنها الأصعب على الإطلاق في حياة أي رجل، الإدارة الناجحة للعمل والأسرة وتربية الأولاد.

ثم بعد إنتهاء مدة العمل المتفق عليها، دخل نبي الله موسى مرحلة جديدة والتي جعلته وقتها يتخذ قرارا جريئا، ولم يكن ليدخل في هذه المرحلة إلا بعد هذه الآية (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ ... وَسَارَ بِأَهْلِهِ..) ولنا وقفة هنا عند كلمة (وسار بأهله) وعندما نراجع تفسير ابن كثير نجد الآتي (وسار بأهله " قالوا كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله فعزم على زيارتهم في خفية من فرعون وقومه فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة).... وهنا يأتي السؤال المنطقي: لِمَ تخاطر يا موسى؟ لِمَ تأخذ أهلك معك في هذا الطقس وهذا الطريق؟ هل هذه المخاطرة أفضل من عملك في الشام ؟ أتغامر بمجهود عشرة سنوات (وفي قول آخر أنه  قضى عشر سنين وبعدها عشرا أخر) فهل تضيع مجهود عشرين عاما من العمل والإستقرار من أجل رحلة إلى مصر؟ هل اشتقت إلى أمك؟ هل اشتقت إلى أمك الثانية (إمرأة فرعون)؟ هل اشتقت لأصحابك من بني إسرائيل وذكريات طفولتك؟ هل يستحق الأمر لكل هذه المخاطرة؟ تخاطر أيضا بما لديك من الغنم وهو مصدر رزقك؟ أتدري ما الذي تفعله بنفسك وأهلك وما معك من رأس مال؟
إنه الشجن، والإشتياق، وما يجده المرء فيما يسمى بالوجدان، طبقات من الذكريات المتداخلة التي تُنحت في قلبه تجعله يفعل ما لا يدركه مَن حوله وتجعله يبحث عن ما بداخله والذي مر عليه عشرة أو عشرون عاما!
سار بأهله وأخذ المخاطرة، وقد مَنَّ الله عليه بإبنة رجل صالح والتي من المؤكد قد دعمته ولم تخذله ولم تقل له إذهب بمفردك، أو ابق هنا معنا حيث رعي الغنم واستقرار الحياة وتربية الأولاد في البيئة التي نشأوا فيها! فكانت نِعم السند في هذه الرحلة، وهذه من أولى صفات الزوجة الصالحة، أن تكون سكناً وسنداً.

ثم....(فآنس من جانب الطور نارا).... وبدأت الرحلة... رحلة النبوة.

ولكن لم ينتهي الخوف في قصة نبينا موسى، فهو بعد كل هذا كان يخاف أن يذهب لفرعون وقومه فيكذبوه، ويضيق صدره ولا ينطلق لسانه فيتلعثم فأراد أن يستعين بأخيه هارون، ويخاف أن يقتلوه لذنب قتل الخطأ الذي فعله في الماضي، ثم خاف أن يفرط فرعون عليه وبصحبته أخوه هارون، ثم أوجس في نفسه خيفة عندما خُيِّلَ إليه حبال السحرة وعصيهم من سحرهم كأنها تسعى، ومع كل مرحلة خوف كان يأتي الدعم من رب السماوات والأرض على أشكال عدة:

- اليقين: "قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون"
- الدعاء: رب اشرح لي صدري .. ويسر لي أمري .. واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي
- الرفيق: واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي
- الذِكر.. كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا..
- ثم يأتي الدعم الإلهي حينما أوجس في نفسه خيفة ..لا تخف إنك أنت الأعلى.

- ثم في آخر مشهد وبعد كل هذه الرحلة من الخوف والإطمئنان وكان من المنطقي أن المواجهة الكبرى تؤدي إلى الخوف الأكبر، ولكن حدثت المفاجأة، أنه لم يخف، وكيف يخاف وقد مشى رحلة كان أنيسه فيها هو الله، وقد رأى بعينيه لطف ربه في كل مرة ضاقت عليه الأرض ثم وجد الفرج والمخرج والسكن والأمان... فقال "كلا إن معي ربي سيهدين".. فكان الله تعالى عند ظن عبده به.

ويمكننا أن نتعلم من هذه القصة حتى هذا المشهد بعض النقاط:

أولا: أن تترك الأمور تجري بمقادير الله، فلا تعلم وأنت خائف لا تعلم أين تذهب أي طريق سيكون فيه الخير، فقط أحسن الظن بربك وتوكل على الله (عسى أن يهديني ربي سواء السبيل).
ثانيا: أن تختار زوجة صالحة من نسب صالح تعينك على نوائب الدهر حيناً وعلى قراراتك الجريئة حيناً آخر فتتحمل معك ولا تحملك فوق طاقتك، تشعر بما تشعر به وتمشي معك الطريق الذي تؤمن به ولا تبالي بالمعوقات، فإذا عزمت فتوكل على الله ولا تلتفت.
ثالثا: أن لا تهرب من أحلامك ووجدانك بل امضِ قدماً لكي لا تعيش حربا داخلية، واستخر وتوكل على الله (وسِرْ) بأهلك كي لا تكون وحيداً، فالطريق شاقٌ وطويلٌ.
رابعا: تَمَهَّل، فربما تحتاج عشرة أعوام أو عشرين كي يكتمل نضوجك بين إدارة بيت وعمل وخبرة حياة حتى تتخذ الخطوة الجريئة، فهي تحتاج لخبرة حياتية قبل أي شيء.
خامسا: أطلب العون والمدد من ربك، أطلب منه المدد البشري والمدد النفسي والبدني وقِرّ له بضعفك، أطلب منه كل شيء، اجعل الدعاء منهج حياتك.
سادسا: أذكر الله وسبحه بالعشي والإبكار ... إعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة.
سابعا: يأتي لك الدعم الإلهي بعدما تستنفد كل الأسباب فتعرف أنك بعد كل هذا ليس لك إلا الله وأنك لست إلا عبداً ضعيفاً لا يملك لنفسه نفعا ولا ضراً، ولكن يأتي بتمام الثقة في الله وحسن الظن في الله (كلا، إن معي ربي سيهدين)... إذا وصلت لتمام الثقة جائك المدد على ضعف حيلتك ونفاد أسباب الدنيا.

Wednesday, April 25, 2018

"وأخرى تُحبونها"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
بسم الله الرحمن الرحيم..

كتبت منذ يومين على موقع تويتر أني قد قمت بعمل تمرين بسيط وهو أني سألت نفسي  بعد التمعن في الثلاثة عشر عاما الماضية  (ما هي الأعوام-الفترات السعيدة والأعوام الحزينة؟ ما هي الفترات التي زدت فيها وما هي الأعوام التي نقصت فيها) وكانت الإجابة أني في الأعوام الصعبة والتي كنت أكافح فيها سواء كفاحا ميدانيا أو عمليا أو أكاديميا أو حياتيا فكانت أعواما ثرية وسعيدة بمعنى أنها حقا هي الأعوام التي شكلت شخصيتي ووجداني أما الأعوام التي كنت أعيش فيها أتقاضى أجرا ثابتا آخر كل شهر والشهر يتلوه الشهر والأيام تمر فعلى الرغم من أنها تظهر وكأنها الأفضل بسبب وجود عامل الأمان والراحة إلا أني (وبمنتهى التجرد والإنصاف) لم أجدها الأعوام السعيدة بل كانت مرتبطة دائما بخيبات الأمل (بالأخص في العمل) بل وخرجت منها عدة مرات بارتفاع الضغط بسبب مواقف في العمل مع مديرين غير كفؤ ومرة بالقولون العصبي وأنا لازلت في المنتصف الأول من العشرينيات بسبب العمل المتواصل حتى منتصف الليل وأحيانا كنا نعمل أيام الأجازة ومرة طُلب منا أن نأتي في عيد الفطر بعد الصلاة وعندما أظهرنا اعتراضاً كان رد الفعل عنيفا ونحمد الله أننا لم نحضر العيد ولكن ما أعلمه حقا أنه لو كانت الإدارة قد قررت ذلك كنا سنأتي جميعا خاضعين! مع العلم أن هذا العمل كان الدفع فيه بالدولار وينزل المرتب يوم ٢٦ في الشهر قبل غالبية مرتبات الشعب المصري. ولكن كانت أياما صعبة نفسيا وصحيا وكنت منفصلا اجتماعيا ومائعا دينيا بسبب جو الشركة.

لكني تفاجأت عندما كتبت هذه الملحوظة على تويتر أن بعض الأصدقاء قد استاء وأحدهم سخر وهم لا يعرفون شيئا عن ما خلّفته هذه الفترة وما الذي أقوم به في حياتي بعيدا عن السلك الوظيفي التقليدي الذي بكل تأكيد تمنيته يوما ولكن لم أجد ضالتي فيه، لا راحة نفسية ولا سلامة صحية ولا حتى حياة موظفين الحكومة.
ولكن كان يمكن لإخواني بقليل من الإستفهام أو قليل من (تركه ما لا يعنيه) أن يخففوا من وطأة الحياة على العبد لله أفضل من السخرية من تجربته والتي لم ينتهجها هو فقط بل انتهجها غالبية أبناء تخصصه من الأولين والذين درسناهم في الكلية وهم من يشكلون ثقافة القرنين العشرين والواحد والعشرين بعمارتهم والتي إذا سافرت إلى الخارج فحتما ستمر في أو بجانب مبنى لهم ويكفينا في الوطن العربي أن من يشكل لنا عمارتنا الآن هم من غير بني جلدتنا، ومتحف القاهرة ومكتبة الإسكندرية ومدينة العلوم كلها مشاريع عالمية في مصر وقد تم تصميمها بعقول أجنبية.

فهل سأكون مثلهم يوما ما؟ على الأقل أنا أحاول قدر إمكانياتي وقدر اجتهادي وأستخير وأستشير ولا أضيع فرصاً ولم أتكبر يوما على وظيفة ولكنها الأقدار والتي لا يفهمها الكثير إلا إذا تنازلوا وسألوني بدلا من السخرية التي تجري في دم الشعب المصري.

سؤال آخر يُسأل بسخرية: هل رجوعي إلى مصر بعد الماجيستير كان خطأً؟ يقيني أنه لم يكن خطأً ولأسباب كثيرة ليس المجال لسردها هنا..

أريد أن أعطي مثالا بسيطا على ما أفعله بدون دخول في تفاصيل، كلنا يتذكر مصر في عهد مبارك، كانت بالفعل أفضل من الآن، فهل أخطأنا عندما قمنا بالثورة ؟ من يدعي أننا أخطأنا فهو بالفعل مخطئ، وليس معنى أننا لم نصل أننا نسير في الإتجاه الخاطئ وحتى لو متنا على الطريق فيكفينا ويعذرنا أمام الله تعالى طالما أخلصنا النية وحددنا الهدف وأحسنّا التخطيط.

الكتابة في هذا التوقيت هو أمر محرج جدا لأني بمنتهى البساطة مُعرض للفشل في أي لحظة، ولذلك كان من الأفضل الإنتظار حتى رؤية النتيجة ثم أتكلم، ولكن أنا هنا لا أدافع عن نفسي بل عن طريقة تفكير وإيمان ويقين وعمل من أجل هدف يقابل به الإنسان ربه حتى وإن مات ولم يحصد وهو مثل نزول أحدنا الميادين وهو مؤمن بالفكرة ومتوكل على الله ولا يبالي بالدماء والمعاناة ويسأل الله السلامة والمعافاة والنصر في آن واحد.

"وأخرى تُحبونها"

Thursday, November 19, 2015

مشهد يلخص القصة (٢)

منذ حوالي خمسة سنوات كنت أصلي العصر في رمضان في مسجد بالمعادي وكان بالمسجد كالعادة بعد العصر بعض العمال الذين أنهكهم التعب والعمل طوال اليوم ويريدون أن يأخذوا قسطا من الراحة، فنام البعض واتكأ البعض تحت هواء المراوح والتكييفات. ثم ظهر فجأة لواء جيش متقاعد وهو عضو بمجلس إدارة المجلس يصرخ في النائمين "إيه المنظر ده، يا فلان اقفل المراوح والتكييفات وقَوّم الناس اللي نايمة دي" ! استأت جدا من الموقف، فهل المسجد مِلك هذا اللواء المتقاعد ؟ وهل هو من يدفع فاتورة الكهرباء من جيبه ؟

وكان يشاهد هذا الموقف معي شيخ المسجد، فقلت له بصوت منخفض: "هل المسجد مِلكٌ لأحد؟ لماذا يأمر وينهى في بيت الله، هو لهم مثلما هو له" فأجاب الشيخ "لمِ لا تقل له هذا الكلام ؟" ومن قبل أن أرد عليه، ناداه "يا سيادة اللواء، المهندس علي كان عاوز يقول حاجة"، ووُضعت في موقف سخيف مع شخص في مقام جدي ! فتوجه إليّ بنبرة حادة ونظرة تساؤل باستنكار "نعم؟" فقلت له "هل المسجد مِلكٌ لأحد لكي نعطي أوامر ونواهي ونجبر المصلين على الاستيقاظ من النوم في بيت الله!" فقال لي "وانت عاجبك المنظر ده؟ كل واحد واخد راحته ع الآخر ولا كأنه ف بيتهم!" فأجبته "وهل هذا منهي عنه في الإسلام ؟ أولم يكن الصحابة يستخدمون المسجد على هذا النحو ؟" فقال لي متعجبا: "هو كل حاجة حلال وحرام؟ ده اللي انتو فالحين فيه، مش كل حاجة حلال ينفع تتعمل ومش كل حاجة تتحسب بالحلال والحرام" فأجبت "بل كل شيء يقاس بالحلال والحرام"، فقال لي "وهل لو بصقت في الشارع هل هذا حلال أم حرام" فقلت "بل هو ليس من الدين ومنهي عنه والدين لم يترك شيئا إلا وتكلم عنه"، ثم نظر إلى باقي المصلين المسنين بالمسجد ويقول لهم هذا الجيل عجيب وعنده كل شيء بالحلال والحرام، فنظر إليه بعضهم نظرات دعم لوجهة نظره وتعجب من أمر هذا الجيل العجيب وينظرون إليّ بتعجب وشفقة، ثم صرخ اللواء المتقاعد في وجه أحد عمال المسجد "لطفي، هاتلي مصحف".

Monday, July 20, 2015

عن الخيار المسلح 2

بسم الله الرحمن الرحيم..

منذ التدوينة القديمة بعنوان (عن الخيار المسلح) والنفاش لم ينتهي حول هذا الأمر، هل استخدام السلاح هو الحل أم المسيرات السلمية ؟ مع الوضع في الاعتبار أن الفتيات المسلمات ينتهك عرضهن ويُقتل الشباب في الطرقات وغيرهما من أساليب القمع والظلم والبطش، مما يهين كرامة أي إنسان ويجعل الدعوات للسلمية تقابل بالهجوم والاستنكار والتهكم على من ينادون بها..

ولإجابة هذا السؤال يجب علينا أولا أن نسأل نفس السؤال الذي سألته قبلا: هل هذا الخيار يمنع أو يوقف القتل والانتهاكات ؟ والإجابة بالطبع لا، فلم يتوقف جيش بشار الأسد من كل ذلك بعد المقاومة المسلحة بل ازداد البطش بشكل جنوني غاشم واستخدام الأسلحة الكيماوية وغيرها من الأسلحة المحرمة دوليا بدافع الانتقام بل يزيد إلى التهجير وإبادات قرى ومدن عن بكرة أبيها.

إذاً استخدام السلاح في المقاومة لن يوقف شيئا من الانتهاكات، هذا من الناحية المادية ولم أتكلم عن ناحية شرعية بعد، ثم نأتي لما يليها: ما معنى مقاومة مسلحة ؟ وما شروطها: حسب علمي فهي تحتاج أولا إلى جماعة منظمة ليتم السيطرة على من يحمل السلاح وأن لا يكون استخدام السلاح فرديا ليصبح أداة انتقامية فيما بعد، ثانيا: يحتاج لرؤية استراتيجية، فمن يحارب يجب أن يعلم كيف يحارب لا أن يكون مثلا مهندسا أو طبيبا لا يفقه شيئا في التخطيط العسكري ويُسود له هذا الأمر، ثالثا: دعم مستمر، رابعا: مكان (قاعدة) دائمة للتدريب. وكما ذكرت قبلا يجب أن يتوفر شرط وجود عالم رباني في أرض النزال وليس في بلد آخر يفتي بالحرب ليحارب غيره ويجلس هو في أمان..

أما من الناحية الشرعية فلا أعلم حقا إن كان علينا أن نحذو هذا الحذو أم لا، ولكني أسرد ما أراه من ردود (مادية) للكلام الذي نسمعه هذه الأيام من أشخاص وهميين على مواقع التواصل الاجتماعي بصور وهمية وأسماء وهمية لا نعرف لهم أصلا أو آخرين نعرفهم لكننا نعرف أيضا أنهم خارج مصر ويحرضون من الخارج، يدخلون لشحن الناس نحو هذا الأمر الذي لا أراه سوف يوقف شيئا.. وأكرر أن رأيي هذا لم يبنى على حكم شرعي بل رؤية شاملة للأمر.. أما من يريد أن يجعل الشباب يحارب بشكل همجي انتقامي أو يدفع الإخوان لهذا الأمر فلا أظنه موفقا بل يتبع هواه الذي هو هوانا جميعا بالمناسبة، والله أعلم.

وجدير بالذكر أن سيدنا موسى عليه السلام قاوم فرعون أربعين سنة مقاومة سلمية لأنه لم يكن يملك سواها.. وقاوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مكة مقاومة سلمية بالكلمة ثلاث عشرة أعوام حتى الهجرة حتى أُمر بالقتال..

يأتي سؤال آخر: هل نحن مأمورون بالقتال من الناحية الشرعية هذه الأيام بغض النظر عن الحسابات الأرضية ؟ أنا شخصيا لا أعلم وعلى من يدّعي ذلك أن يأتي بالدليل الشرعي...وجزاكم الله خيرا.

Thursday, July 2, 2015

تقييم التاريخ الإسلامي

السلام عليكم..

أكتب هذه الكلمات بعدما لاحظت الخنوع والمواربة والإنهزام النفسي عند كثير من أبناء التيار الإسلامي، فبالرغم من وجود المرجعية الأقوى والحجة البالغة تجدهم دائمي الإحساس بالهزيمة النفسية، ويتحول الفرد تدريجيا من شخص قوي فخور بمرجعية وتاريخ قويين إلى فرد يحاول أن يخلق لنفسه مرجعية مستقلة مفصلة على مقاسه وتتميز هذه المرجعية أنها متغيرة حسب الظروف.. ونصيحتي لهذه النوعية من الشباب أن يتركوا الساحة قليلا لكي يرتبوا أوراقهم وليسألوا أنفسهم عن ماهية مرجعيتهم ومدى مطاطيتها.

وأنا هنا لا أتكلم عن المرجعية السياسية فقط بل على الصعيد الأخلاقي أيضا، فمثلا ما هو ممنوع في مصر أحيانا يكون مباحا في الدول الأوروبية من إختلاط سافر أو تواجد بمجالس الخمر تحت مسميات وتبريرات لا أصل لها في الدين، وما كان مرفوضا من سباب ونحوه أصبح مبررا أيضا وهكذا. وأنا لست ضد ارتكاب الخطأ فكل ابن آدم خطاء، ولكن أنا ضد تشريع الخطأ واستحلاله أو تمييعه أو التعايش معه.

أما على المستوى السياسي، فسأسرد بعض الأمثلة لكي نعلم أين نحن وكيفية ادراك موقعنا جيدا، فمثلا عندما نستمع لغلاة العلمانيين في الوطن العربي فسوف نسمع ترديدا لكلمة "الدولة العثمانية رجل أوروبا المريض"، وهنا لنا ثلاث وقفات: الأولى وهي أن الدولة العثمانية استمرت حوالي ستمائة عاما، وخلال المائة وعشرين عاما الأخيرة دخلت الدولة العثمانية في حروب ضد روسيا وشرق أوروبا أضعفتها وجعلتها "رجل أوروبا المريض" الذي انتهى بالحرب العالمية الأولى، إذاً نحن هنا نتكلم عن تاريخ مئات السنين، ولا نتكلم عن ظرف واحد خلال حقبة زمنية معينة، وبالتالي يجب تقييم الفترة كلها لا أن نستقطع جزءا ونترك باقي الأحداث، ثانيا: عندما تتكلم مع أي مثقف أوروبي أو أي من متخذي القرار في الغرب فسوف تجد أن السبب الرئيسي لمساندة الإنقلاب في مصر (على سبيل المثال) هو خوفهم من بداية خلافة إسلامية، فتجد الحوار مهما كانت بدايته تنتهي في النهاية إلى فزاعة الخلافة التي من الواضح أنها تركت جروحا في تاريخ هذه الدول على مدار مئات الأعوام والتي أخذت أكثر من مائة عام لكي تسقط وبالتالي تركها لتنشأ من جديد هو أمر مفزع وبالتالي يتم غض الطرف عن أي انتهاك في حق من ينتمون للتيار الإسلامي مهما كان لأن التعاطف معهم سوف يؤدي إلى ما هو أسوأ تدريجيا، وكل مثقف غربي لم ينس هذه الحقبة الزمنية. ثالثا: وهذه هي الأهم على الإطلاق، يجب أن نسأل أنفسنا هل هدفنا في الأصل هو الدولة العثمانية ؟ والإجابة بكل وضوح: لا ! ولِمَ لا ؟ لأن الدولة العثمانية بكل عظمتها فهي في النهاية تمثل نظاما ملكيا لم يأتي به الإسلام، فإن أصابوا في شيء (سواء هم أو غيرهم) فيُتعلم من مميزاتهم، وإن أخطأوا فيتعلم من أخطائهم لكي لا يتم الوقوع فيها مستقبلا، لأن كلنا يعلم أن حلمنا ليس دولة تحكم بالتوريث ولكن (خلافة على منهاج النبوة)، ولذلك أي قصة من التاريخ الإسلامي يجب تقييمها على هذا النحو..ولأننا لا نمجد الأشخاص أو الرموز بل نمجد الرسالة نفسها والحق أحق أن يُتبع.

ولنا في من حولنا عبَر، فنحن نرى من يمجدون الشيوعية وبرغم المذابح التي ارتكبت  في حق الملايين سواء في الصين أو الاتحاد السوفييتي أو في الوطن العربي وعلى الرغم من قصر مدة نشأة الفكرة وتنفيذها وانتهائها وفشلها، فعندما تقرأ أي حوار بين من ينتمون لهذا الفكر في غرف الدردشة الخاصة بهم تجدهم لا يريدون هدم التجربة على كل ما حدث فيها من انتهاكات لكل ما هو انساني وفشل وكل ذلك من أجل الحفاظ على المكاسب المتواضعة المحدودة للتجربة الموئودة، وعندما ننظر لمن يمجدون جمال عبدالناصر أو صدام حسين أو غيرهما في الوطن العربي، فنجد أن أنصارهم يعون جيدا الخيانات والقتل والاستحواذ على الحكم والقضاء على الحياة النيابية وترسيخ مفهوم شمولية الحكم التي جعلت من الشعوب العربية عبيدا أو نموذجا مكررا لشخص واحد (المعروف بالوطني) وكل من هو دونه فهو خائن حسب المرجعية الوطنية الجديدة وخسرت حروبا وأراض وشهدت فشلا على جميع الأصعدة، فتجد المثقف مبررا لجرائم بشعة وتجد الخيانة توصف بالذكاء والحنكة في مشهد هزلي، وكل ذلك من أجل أن لا يقضي على التجربة والفكرة، ذلك لأنه لو أقر بالجرائم التي ينتفض هو شحصيا لما هو أقل منها في زمننا المعاصر فسوف يكون مصير فكرته الوليدة إلى زوال. وبالنظر إلى من يمجدون الليبرالية فسوف تجدهم يغضون الطرف عن الحربين العالميتين واللاتي تبعاهما احتلال للوطن العربي وتقسيم وقمع ومذابح إلى يومنا هذا. وبالتالي تجد التحيز الأعمى والازدواجية هما أساسا تفكير هؤلاء الناس.

وبالنظر إلى التاريخ الإسلامي فسوف نجد بالفعل انتهاكات في بعض الأزمنة، وسنجد توريثا للحكم، وأحيانا فسادا أخلاقيا أو اقتصاديا، ولكن من قال أننا نتبع الأشخاص ! نحن لسنا كالذين يتبعون شرائع بشر ولكننا نتبع شريعة الله تعالى ولسنا كهؤلاء الذين يمجدون البشر أيا كانوا، وبالتالي أي خطأ  من أي إنسان فهو طبيعي بل وإن لم يخطئوا أصحابه فإنهم بذلك قد تحولوا إلى ملائكة، وبالتالي نحن لا نتبع هؤلاء البشر لأنهم لم يكتبوا لنا القرآن ولا السنة، وإن كانوا أصابوا في شيء فلهم وإن أخطأوا فعليهم وهذا أو ذاك لا ينتقص من الشرع شيئا بل يثري التجربة القادمة. لأن من لم يتعلم من أخطاء الماضي فلا يتوقع نتائج مختلفة وعلى الرغم من أن الانتهاكات في التاريخ الإسلامي ليست كمثيلاتها في التاريخ الحديث والدليل على ذلك أنك تجد غلاة العلمانيين يحفظون من الألف وربعمائة عام اسم "الحجاج بن يوسف" وكأن التاريخ كله كان الحجاج، مع العلم أن خطأ الحجاج (بالرغم من تكفير بعض العلماء له) هو عائد عليه وليس على الشريعة، والحجاج في النهاية لا يمثل إلا نفسه وفترته.

إذاً يجب أن يكون هدفنا واحدا، خلافة على منهاج النبوة، لا على منهاج الدولة العثمانية ولا العباسية، ولا الأموية ولا غيرهم. وسيأتي هنا سؤال: هل بعد كل هذه المحاولات سنأتي نحن بجديد ؟ فالإجابة: بكل تأكيد نعم. فإن الإنسان خُلق ليجرب ويخطئ ثم يتعلم ويطور ليأتي بالجديد.

يجب أن نعلم أن الالتفات إلى غلاة العلمانيين ممن يحصرون الشرع في التجربة ويتحججون بأخطاء مطبقيها لكي يرفضوها بالكلية كمن ينتقد السيارة ويطالب بعدم قيادة السيارات بسبب عدد ضحايا حوادث السيارات وكأن المشلكة في السيارة وليس فيمن يقودونها.. وهنا تحضرني جملة لأحد من غلاة العلمانيين "سيد القمني" عندما كان في لقاء مع د. عبدالوهاب المسيري رحمه الله عندما قال له "إيه ذنب العلمانية إن كل اللي نفذوها نفذوها غلط، العلمانية ماقالتش لحد اقتل أو اسرق" ! فإن كانوا يبررون جرائم العلمانيين كقتل الملايين وإبادات جماعية بالقنابل النووية وما إلى ذلك، فكان أدعى وأولى أن نقول نفس المقولة على من يطبق الشريعة فليس من أراد الحق فأخطأه كمن أراد الباطل فأصابه.

وجزاكم الله خيرا

Monday, June 15, 2015

"من المؤمنين: رجال"

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 23)

منذ فترة طويلة ونحن كشباب ينتمي للتيار الإسلامي ويدّعي حبه للدين وإقامة شرع الله، ونحن نعاني من حالة تيه، هذه الحالة تظهر في التناقض بين أفعالنا وما تُحدثنا به أنفسنا، ففي حين يعيش كل منا حياته العملية أو العلمية وينغمس فيها يأتي صوت مزعج ينادي بأعلى صوته "حيّ على الجهاد"، يتزايد هذا الصوت مع استشهاد شباب مثلنا وكانوا بيننا ومنهم من عرفناهم، ومنهم من قضى نحبه في مصر ومنهم خارج مصر، فعندما نسمع هذا الصوت تضيق الدنيا وتختنق الحياة حتى يهون الموت، وهل هو راحة ؟ إن كان راحة فأهلا به...
هذا ما أمر به شخصيا وسط هذا العالم المادي الدموي، عندي قناعة أن هذه الدائرة يدور فيها كل شاب رأى الموت أمامه ثم وجد أحبابه يختفون واحدا تلو الآخر، فبدأ يسأل نفسه: ما الفرق بيني وبينهم ؟ أين ذهبت رجولتي ومروئتي مما يحدث من انتهاكات للنساء والأطفال، إلى متى السكوت ! ثم ما يلبث أن يرجع للحياة من جديد حتى يصطدم بخبر استشهاد قريب/صديق...إلخ، فيعود لنفس الدائرة من جديد، هل أنا متخاذل، هل أنا خائن ؟ هل هذا مكاني ؟ هل أنا حقا أقف على ثغر أم أن هذا مجرد كلام نخدر به ضمائرنا النائمة ؟

ثم سمعنا مؤخرا خبر موت (أحمد الجبلي) وهو بالركن الأعلى ناحية اليسار بالصورة المرفقة، وكان خبر وفاته مختلفا عن كل من سمعنا عنهم سواء بالصورة أو من عشرات ومئات الشهداء... فهو مات في بيته بجانب زوجته وهو في سن السابع والعشرين، ولكن موته لا يقل تأثيرا عن أي ممن نحتسبهم عند الله شهداء، وذلك بسبب عدم تخلفه عن الحركة في الشارع عندما تطلب الأمر، ثم عندما رجع إلى الحياة كان سباقا لفعل الخيرات، فعرفه الجميع وأثّر في قلوب من عرفوه ومن لم يعرفوه.

وأنا أظن أن هنا تأتي إجابة لبعض الأسئلة المؤرقة، والتي تَسَبًّبَ عدم الرد عليها إلى حالة التيه المذكورة، والإجابة هي: كن لله دوما، ابحث عن دورك أيا كان وابذل كل ما في وسعك واتق الله حيثما كنت.
وأيضا مما لاحظته في كل من عرفتهم منهم ومن سيرة من لم أعرفهم أنهم كانوا "قليلي الكلام، كثيري العمل"، كانوا متسامحين، حتى مع المخالف والمتخاذل، لا وقت لديهم للسباب، لا طاقة للمشاحنات والتطرق لخلافات ومعارك فرعية فالطاقة أولى أن تُستهلك في عمل الخير، كانت رايتهم واضحة... لم يخجل أحد منهم من قضيته ولم يواري، هدفهم كان واضحا.. وبالتأكيد توجد في حياتهم أشياء لم نعرفها.

لا أدعي أنني قد عرفت الإجابة الآن ولكني أحاول أن أفهم، مع عدم وجود مرجعية واضحة، والصوت العالي هو السائد الآن، وكل يدعي الحكمة ومعرفة الحق المطلق..

وأنهي كلامي ببعض الآيات:

{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}(التوبة: 24)

{وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} (التوبة: 46)

{وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (النساء: 100)

Sunday, June 14, 2015

"فَيَنْظُرَ كيف تعملون" رسالة إلى شباب التيار الإسلامي



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

منذ أن حدث الإنقلاب في شهر يوليو 2013 ثم مذبحة رابعة العدوية وأنا ألاحظ شيئا، أن التيار الإسلامي عامة والشباب خاصة بدأ يفقد البوصلة والهدف والغاية مما يدعو إليه، ثم جاء سؤال على بالي: هل الغاية هي التمكين أم أن الغاية في الطريق نفسه وكيفية تعاملنا مع الإبتلاءات سواء خير أو شر كما قال ربنا تعالى "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء:35) ... إذاً نحن مأمورون بعبادة الله وحده باتباع الهدي النبوي، لا باتباع أهوائنا ولذا فقد منَّ الله علينا سبحانه وتعالى بسيرة الرسول (صلَّ الله عليه وسلم) لكي يوضح لنا كيف نفكر ونفعل في السراء والضراء، لا أن نُخضع الأمر للهوى.

وما أراه الآن هو تخبطاً على جميع الأصعدة، وتنفيس فقط، واستخدام أقذع الكلمات في الرد على المخالف، حتى أصبحتَ لا تفرق بين من هو إسلامي يطالب بتطبيق الشريعة وبين من هو علماني لا يريد تطبيقها وبين مؤيد للسفاحين القتلة، تساوينا جميعا في الأخلاق، جرب أن تفتح الردود على أي مخالف على مواقع التواصل الاجتماعي لتجد السباب بالأم والأم وبالميتين ! هل هذه هي الأخلاق التي يجب أن نتحلى بها في هذا الابتلاء ! والعجيب أن الناس لم تعد تستمع لناصح، الكل مندفع بقوة وللأسف نحو اللاشيء وأخاف أن نكون متجهين نحو الهاوية ونحن لا ندري، فنخسر كل شيء.

يدّعي بعض الإخوة في الله ممن انتهجوا هذا الطريق الجديد والدخيل عليهم أنهم في ابتلاء ومعذورون، مع العلم أنني أعلم من هم أكثر منهم ابتلاء ومع ذلك لا يفعلون كذلك !

أنا هنا لا أريد أن أقف موقف الناصح وكأن ليس بي عيوب، ولكني فعلا أخاف على التيار الإسلامي من الأخلاق الجديدة وهذا المرض المتفشي فينا، لأنني أرى أن الله يبتلينا وينظر كيف نفعل بغض النظر عن المرحلة، فهل هذه الأخلاق ترضي الله ورسوله !

أستحلفكم بالله أن نراجع أنفسنا وأن نتخيل أن الله تعالى ينظر إلينا ويراقبنا الآن، وأن الرسول بيننا يرى ما نفعله ويسمع ما نقوله ويقرأ ما نكتبه... ثم نسأل أنفسنا بعض الأسئلة: ما الذي استفدناه من هذا الطريق الجديد، ما الذي عاد على القضية بهذه الأخلاق، ما هي أولوياتنا في هذه المرحلة، ما الفرق بيننا وبينهم إن لم نقاوم شهوة الكلام والرد بالمثل والسباب ؟

"مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" (قّ:18)

وجزاكم الله خيرا

Sunday, November 9, 2014

كيف نتقدم بتأخرنا !

السلام عليكم ورحمة الله،

للوهلة الأولى سوف تعتقد من العنوان أنه للسخرية، فكيف نتقدم بتأخرنا ؟ ولكنني لا أسخر، واسمحولي - للمرة الثانية وغالبا الأخيرة لأجل غير مسمى - اسمحولي أن آخذكم بعيدا عن الأحداث لفترة زمنية بسيطة ثم نعاود للحياة الطبيعية..وأنا هنا أطلب من إخواني وأخواتي للمرة الثانية أن يتحملوني حينما أخرج عن التيار العام وأبدأ بتوجيه الدفة ولو لحظيا لقضية هامة من وجهة نظري وبالتأكيد لن تؤتي أكلها أو يكون لها صدى إلا في وجود حكومة شرعية ورئيس وبرلمان شرعيين منتخبين.

أولا يعاني العالم حاليا من زيادة غاشمة في مادة ثاني أوكسيد الكربون الناتج عن استخدام الوسائل الحديثة في كل مجالات الحياة، سواء سفر (طائرة، سيارة...إلخ)، وسائل إتصال، صناعة، إنشاءات...تقريبا كل شيء... وهذا كله ناتج عن التحول المفاجئ في حياة الإنسان وعدم استغناءه عن هذه الوسائل التي لابد وأن تتصل بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه المادة الضارة.

وبدون دخول في تفاصيل، فنحن بحمد الله (نرقص على السلالم) فلا منا سلمنا من هذه الإنبعاثات بل نحن من روادها، ولا نحن توصلنا لهذا المستوى بسبب تميزنا في التكنولوجيا والصناعة ! إذن ما الحل للخروج من هذا المأزق في بلد نامٍ !

يوجد بعض الدعاوى في أكثر دول العالم تقدما تنادي بالرجوع إلى الماضي حيث ركوب السفن الشراعية والعَجَل والتمشية للعمل وما إلى ذلك بدلا من أن نبدأ بحل المشكلة الأخطبوطية التي ما تلبث أن تحل جزءا منها إلا وتتمدد من جهة أخرى، ولكننا عندما ننظر إلى مصر فسوف نجد أننا متأخرون بالفعل، وأن مدناً لا حصر لها تعيش في تأخر تكنولوجي بل ولا يعلمون عن التكنولوجيا شيئا، ومن هذا المنطلق أنا أجد أن مصر لديها مادة خصبة لتكون من أكثر البلدان الخالية من الإنبعاثات الحرارية والخالية ولو نسبيا من مادة ثاني أوكسيد الكربون وحينها نكون قد نقلنا المشكلة من محاولة الركض وراء التقدم التكنولوجي إلى مشكلة أخرى أخف وطأة لو وجدنا لها الحل المناسب سوف نتميز بتأخرنا بل وسوف يحسدنا عليها الأكثر منا تقدما بسبب معاناتهم من تبعات التكنولوجيا المدمرة ذات القوة الغاشمة التي قد فقدوا التحكم فيها والقدرة على إستيعابها أو تخيل تبعاتها الكارثية مستقبلا !

وهنا يأتي السؤال: وماذا عن القاهرة والإسكندرية والمدن التي تلوثت بالفعل بآثار التكنولوجيا (تكييفات، سيارات....إلخ) ؟ وأنا أزعم أننا إذا بدأنا في حل مشكلة ما فوق العشرين محافظة وتركنا القاهرة والإسكندرية والمدن القليلة المشابهة فسوف نجد أن هتين المدينتين بشكل تلقائي سوف تبدآن بالخلو تدريجيا من الهجرة التي تمت إليهما على مدار العقود الأخيرة.
وهنا يأتي سؤال آخر: ولِمَ لا نحاول حل مشكلة مدينتين بدلا من حل مشكلة فوق العشرين مدينة ومحافظة ؟ أزعم - وليس عندي الدليل المادي الآن - أن التعامل مع بيئة خصبة لم تتلوث بعد أسهل بكثير من التعامل مع مشكلة متشعبة ما بين عشوائيات وأبراج ومدن صناعية وخلافه ومدن فارهة...إلخ، من الناحية المادية والزمنية والتخطيطية.

هذا مجرد طرح لفكرة وبالتأكيد ليست فكرة مكتملة، ولكنها طرح لفكرة تحتاج التفكير والعمل عليها.. والله المستعان.

أقول هذا الكلام وأعلم أنه ليس وقته، وأعلم أنه سيُغضب البعض، وكأني لا أشعر بما يحدث وفي حالة إنعزال، وهذا ليس صحيحا...ولكني من ناحية فقدت القدرة على الحديث في ما تراه البلد من أهوال ! ومن ناحية أخرى أكتب للمستقبل، لعل يوما يأتي ويستفيد منه شخص أو يضيف تعديلا ليصبح شيئا مفيدا أو ملهما لفكرة أفضل..

وجزاكم الله خيرا