Sunday, November 9, 2014

كيف نتقدم بتأخرنا !

السلام عليكم ورحمة الله،

للوهلة الأولى سوف تعتقد من العنوان أنه للسخرية، فكيف نتقدم بتأخرنا ؟ ولكنني لا أسخر، واسمحولي - للمرة الثانية وغالبا الأخيرة لأجل غير مسمى - اسمحولي أن آخذكم بعيدا عن الأحداث لفترة زمنية بسيطة ثم نعاود للحياة الطبيعية..وأنا هنا أطلب من إخواني وأخواتي للمرة الثانية أن يتحملوني حينما أخرج عن التيار العام وأبدأ بتوجيه الدفة ولو لحظيا لقضية هامة من وجهة نظري وبالتأكيد لن تؤتي أكلها أو يكون لها صدى إلا في وجود حكومة شرعية ورئيس وبرلمان شرعيين منتخبين.

أولا يعاني العالم حاليا من زيادة غاشمة في مادة ثاني أوكسيد الكربون الناتج عن استخدام الوسائل الحديثة في كل مجالات الحياة، سواء سفر (طائرة، سيارة...إلخ)، وسائل إتصال، صناعة، إنشاءات...تقريبا كل شيء... وهذا كله ناتج عن التحول المفاجئ في حياة الإنسان وعدم استغناءه عن هذه الوسائل التي لابد وأن تتصل بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه المادة الضارة.

وبدون دخول في تفاصيل، فنحن بحمد الله (نرقص على السلالم) فلا منا سلمنا من هذه الإنبعاثات بل نحن من روادها، ولا نحن توصلنا لهذا المستوى بسبب تميزنا في التكنولوجيا والصناعة ! إذن ما الحل للخروج من هذا المأزق في بلد نامٍ !

يوجد بعض الدعاوى في أكثر دول العالم تقدما تنادي بالرجوع إلى الماضي حيث ركوب السفن الشراعية والعَجَل والتمشية للعمل وما إلى ذلك بدلا من أن نبدأ بحل المشكلة الأخطبوطية التي ما تلبث أن تحل جزءا منها إلا وتتمدد من جهة أخرى، ولكننا عندما ننظر إلى مصر فسوف نجد أننا متأخرون بالفعل، وأن مدناً لا حصر لها تعيش في تأخر تكنولوجي بل ولا يعلمون عن التكنولوجيا شيئا، ومن هذا المنطلق أنا أجد أن مصر لديها مادة خصبة لتكون من أكثر البلدان الخالية من الإنبعاثات الحرارية والخالية ولو نسبيا من مادة ثاني أوكسيد الكربون وحينها نكون قد نقلنا المشكلة من محاولة الركض وراء التقدم التكنولوجي إلى مشكلة أخرى أخف وطأة لو وجدنا لها الحل المناسب سوف نتميز بتأخرنا بل وسوف يحسدنا عليها الأكثر منا تقدما بسبب معاناتهم من تبعات التكنولوجيا المدمرة ذات القوة الغاشمة التي قد فقدوا التحكم فيها والقدرة على إستيعابها أو تخيل تبعاتها الكارثية مستقبلا !

وهنا يأتي السؤال: وماذا عن القاهرة والإسكندرية والمدن التي تلوثت بالفعل بآثار التكنولوجيا (تكييفات، سيارات....إلخ) ؟ وأنا أزعم أننا إذا بدأنا في حل مشكلة ما فوق العشرين محافظة وتركنا القاهرة والإسكندرية والمدن القليلة المشابهة فسوف نجد أن هتين المدينتين بشكل تلقائي سوف تبدآن بالخلو تدريجيا من الهجرة التي تمت إليهما على مدار العقود الأخيرة.
وهنا يأتي سؤال آخر: ولِمَ لا نحاول حل مشكلة مدينتين بدلا من حل مشكلة فوق العشرين مدينة ومحافظة ؟ أزعم - وليس عندي الدليل المادي الآن - أن التعامل مع بيئة خصبة لم تتلوث بعد أسهل بكثير من التعامل مع مشكلة متشعبة ما بين عشوائيات وأبراج ومدن صناعية وخلافه ومدن فارهة...إلخ، من الناحية المادية والزمنية والتخطيطية.

هذا مجرد طرح لفكرة وبالتأكيد ليست فكرة مكتملة، ولكنها طرح لفكرة تحتاج التفكير والعمل عليها.. والله المستعان.

أقول هذا الكلام وأعلم أنه ليس وقته، وأعلم أنه سيُغضب البعض، وكأني لا أشعر بما يحدث وفي حالة إنعزال، وهذا ليس صحيحا...ولكني من ناحية فقدت القدرة على الحديث في ما تراه البلد من أهوال ! ومن ناحية أخرى أكتب للمستقبل، لعل يوما يأتي ويستفيد منه شخص أو يضيف تعديلا ليصبح شيئا مفيدا أو ملهما لفكرة أفضل..

وجزاكم الله خيرا

Thursday, November 6, 2014

محاولة لتقريب المسافة بين الأكاديمي والمحترف

السلام عليكم ورحمة الله،

منذ شهور وأنا معتزل الكتابة أو التعليق على ما يحدث في بلدي العزيز مصر، فإن القلب موجوع وجروحه لا تنقطع مما يحدث ومما يشعر به من غربة دائمة بالأخص بعدما ذقنا حلاوة الوطن ومعنى السعادة الحقيقي والراحة والسكينة في "رابعة" والتي كانت بمثابة الأم الحنون المدلِّلة والوطن والمدينة الفاضلة الجامعة لكل أشكال الحب والتمدن والرقي..

وأنا هنا أطلب من إخواني وأخواتي أن يتحملوني حينما أخرج عن التيار العام وأبدأ بتوجيه الدفة ولو لحظيا لقضية هامة من وجهة نظري وبالتأكيد لن تؤتي أكلها أو يكون لها صدى إلا في وجود حكومة شرعية ورئيس وبرلمان شرعيين منتخبين.

القضية التي أريد أن أتكلم عنها هي قضية التباعد الرهيب والذي أحيانا أو كثيرا ما يتجه إلى السخرية والإتهامات المتبادلة بين الأكاديمي والمحترف، أقصد هنا بالمحترف وهو الشخص الذي أفنى عمره في العمل من بعد إتمام دراسته الجامعية، والأكاديمي وهو الذي أفنى عمره في الدراسة والعمل الأكاديمي، والحقيقة أن في مصر تجد هذين الشخصين متنافرين لحد غير طبيعي فتجد الدكتور الجامعي أحيانا لديه مكتب ولكن ليس لديه عمل ولكنه ينتقل من هذه الجامعة لهذه الجامعة ويعيش عادة في حالة سخط ونقد دائم لما يفعله متخذو القرار ! أما المحترف فلديه مكتب به من الأعمال ما يكفي ويفيض ولكن ليس لديه المعرفة الكافية، والنتيجة أنك ترى البلد كما هي عليه الآن.. وليس سرا أن نقول أن العلم وإن كان موجودا في مصر ولكنه في حالة مرض وسقم، ليس من حيث المادة العلمية بل من ناحية الجودة والأساليب ثم ترجمة هذا كله للعمل الحقيقي.. فأحيانا ترى الدكتور الجامعي يعمل في مشاريع حكومية ولكنه يتبع مقيدات السوق فتراه لا يخرج ما درسه حقا بل يتبع ما تملي عليه مقيدات السوق فيتحول تدريجيا إلى عامل محترف وتاجر... أوأحيانا يتحول إلى حكيم وحيد يكلم نفسه ويحلم بما لا يتحقق.

وأنا هنا أحاول أن أذيب الفجوة التي بين الفريقين لكي يستفيد كلٌ منهما من الآخر، والسؤال الآن: كيف ؟

أولا عندما نحاول أن نجيب على هذا السؤال ينبغي علينا أن نفكر في نفسية وتكوين العقل الأكاديمي والعقلية المحترفة، فالعقل الأكاديمي لديه من الوقت الكثير ليتعلم ويدرس ويكتب ويناقش ثم ينقح ويراجع ثم ينقد وينقد، وهكذا، ولا حرج في أن يقول في النهاية (لا أعلم) أو يترك الإجابة مفتوحة للمناقشة والتحليل وهو لا يستشعر الحرج أو الفشل، فالإستنتاج ليس دوما أن نأتي بحل جديد أو أن نأتي بحل من الأصل بل من الممكن أن يكون الإستنتاج أن كل شيء خطأ ولم نعرف الشيء الصحيح بعد !
أما المحترف فهو ليس لديه وقت، الوقت عنده يساوي المال، وما كتب أعلاه بالنسبة له يعد ترفا ووقتا ضائعا، و"فلسفة" فارغة، وفراغا، ورفاهية، وعنده سرعة القرار مع قليل من الدراسة أفضل من الدراسة مع تأخير القرار لأن الوقت لا يحتمل والمشاكل تحتاج حلولا فورية ويوجد كوارث، فالمحترف يرى الأكاديمي رؤيته طفولية تفتقد الواقعية، فكم من أكاديمي يتهم محترفا بقصور في النظر وكم من محترف اتهم أكاديميا بسطحية في الأفق تفتقد الواقعية !

إذاً هذه علاقة لا نية فيها للتقابل مما لا شك فيه وإن أظهروا النية !

إذاً ما الحل ؟ أنا أرى أن الحل هو أن يتم إسناد الملفات العاجلة لصناع القرار الذين درسوا وجربوا قبلاً كيفية التعامل مع الكوارث (على غرار غرفة الطوارئ) ولكن في نفس الوقت يتم إسناد المشاكل طويلة الأمد للأكاديميين والباحثين الشباب، ثم عرضها للحوار المدني وإشراك المجتمع من المثقفين والمهتمين بالتطوير وما إلى ذلك، ثم يتم وضع جميع الحلول والملفات أمام صناع القرار لكي يتخذوا قرارا مدروسا. هذا يتم على الصعيد السياسي والعمراني والمعماري والتخطيطي والقانوني والقضائي، وعلى جميع الأصعدة، وأنا هنا حين أتكلم لا أتكلم عن وضع مستقر بل أتكلم عن بلد نامٍ يجب أن يوضع في الإعتبار مشكلاته التي تحتاج لحلول فورية ولا ينبغي ولا يصح فيها انتظار الأكاديمي حتى ينهي أبحاثه ومناقشاته وافتراضاته.
أعلم أنه أحيانا ما كان يحدث هذا في مصر أن يتم إسناد مشروع ما أو قضية ما لبعض الأكاديميين، ولكن دراسة الأمر لم تتخذ الشكل الذي اقترحته، وأنا لم أخترعه ولكنه أمر عادي جدا، اشراك الباحثين والمهتمين ووضع بدائل وحوارات ومناقشات مع تخصصات عدة لأن القرار يمكنه أن يكون ممتازا من ناحية وكارثيا من ناحية أخرى، فيجب اسناد المشكلة لأقسام عدة ويتم مناقشة الحلول على صعيد واسع..

ومن ثم يمكن أن نتحول بشكل تدريجي إلى بلد يحترم المحترفين والأكاديميين، وليس كما نرى ورأينا أننا للأسف بلد ماشية بالفهلوة !

أقول هذا الكلام وأعلم أنه ليس وقته، وأعلم أنه سيُغضب البعض، وكأني لا أشعر بما يحدث وفي حالة إنعزال، وهذا ليس صحيحا...ولكني من ناحية فقدت القدرة على الحديث في ما تراه البلد من أهوال ! ومن ناحية أخرى أكتب للمستقبل، لعل يوما يأتي ويستفيد منه شخص أو يضيف تعديلا ليصبح شيئا مفيدا أو ملهما لفكرة أفضل..

وجزاكم الله خيرا